تحول سوق الطاقة المتجددة في الشرق الأوسط 2024: فرص وتحديات
يشهد قطاع الطاقة المتجددة في دول الشرق الأوسط تحولات جذرية خلال عام 2024، حيث تصاعدت حجم الاستثمارات، وتوسعت قاعدة المشاريع المتنوعة من الطاقة الشمسية إلى طاقة الرياح والطاقة الحرارية الأرضية. يأتي ذلك في ظل سعي الحكومات إلى تعزيز استراتيجيات خفض الانبعاثات وتحقيق الأمن énergétique. يسلط هذا التقرير الضوء على أبرز المؤشرات، والإنجازات، والتحديات التي تواجه تطور السوق في المنطقة.
نظرة عامة على السوق في 2024
وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن الوكالات الإحصائية الوطنية، ارتفعت طاقة القدرة التوليدية المتجددة المركبة في منطقة الخليج وعدد من دول الشمال الإفريقي إلى ما يقارب 45 جيجاواط، أي بزيادة تقارب 20٪ مقارنة بعام 2023. وقد ساهمت مشاريع الطاقة الشمسية الضخمة في كل من الإمارات العربية المتحدة، والسعودية، ومصر في رفع هذا الرقم، إلى جانب زيادة حصة طاقة الرياح في الأردن وتونس.
على صعيد التوزيع الجغرافي، تتركز المشاريع الأكبر في المناطق الصحراوية ذات الإشعاع الشمسي العالي، بينما تتجه دول مثل المغرب وتونس إلى استغلال سلاسل الجبال لتوليد طاقة الرياح. كما شهدت بعض الدول استكشافاً مبدئياً للطاقة الحرارية الأرضية في المناطق الجبلية، على الرغم من أن هذه التقنية لا تزال في مرحلة التجريب.
أبرز المشاريع الإنمائية في العام
من بين المشاريع التي حظيت بأكبر قدر من الاهتمام في عام 2024، يأتي مشروع "نور الصحراء" في السعودية، وهو محطة شمسية بقدرة 2.5 جيجاواط، يُتوقع أن تكون واحدة من أكبر المحطات الشمسية في العالم. يهدف المشروع إلى تزويد حوالي 10 ملايين منزل بالطاقة النظيفة، مع توفير بنية تحتية لتخزين الطاقة باستخدام بطاريات ليثيوم أيون سعتها 500 ميجاواط-ساعة.
في الإمارات، أُطلقت محطة "دبي الخضراء" المتخصصة في تقنيات الطاقة الشمسية الفوتوفولطية المتقدمة، والتي تعتمد على خلايا ذات كفاءة تتجاوز 23٪، بالإضافة إلى نظام تتبع الشمس ذي المحور الثنائي لتقليل الفاقد وزيادة الإنتاجية السنوية. تُستثمر هذه المحطة في إطار "استراتيجية الإمارات للطاقة النظيفة 2030".
من جهة أخرى، شهدت مصر إنشاء محطة "الأقصر للطاقة الشمسية" بسعة 1.2 جيجاواط، بالمشاركة مع شركتين دوليتين، وتُعد جزءاً من مشروع "مصر للطاقة المتجددة - 2030". تُظهر هذه المحطة قدرة على تخزين الطاقة لتغطية فترات الذروة الليلية، مما يعزز موثوقية الإمداد الكهربائي في شبكة النقل الوطنية.
الاستثمارات الأجنبية والمحلية
تجسد الاستثمارات الأجنبية نسبةً متزايدة من إجمالي التمويل المتاح لمشاريع الطاقة المتجددة. وفقاً لتقارير البنوك الاستثمارية، بلغ حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مجال الطاقة المتجددة في الشرق الأوسط عام 2024 ما يقرب من 12 مليار دولار، أي بارتفاع 35٪ مقارنة بالعام السابق. من أبرز المستثمرين الشركات الأوروبية والآسيوية، وخاصة من ألمانيا، وفرنسا، واليابان، التي تسعى إلى توسيع حضورها في أسواق الطاقة النظيفة.
بالإضافة إلى ذلك، يُظهر القطاع الخاص المحلي مشاركة متزايدة، حيث أعلن عدد من الشركات القابضة الوطنية عن خطط لإطلاق صناديق استثمارية مخصصة للطاقة المتجددة، مستهدفة تمويل مشاريع بقدرات تتراوح بين 100 و 500 ميجاواط. ومن بين هذه الشركات، تبرز "مجموعة الزهران القابضة" في السعودية، و"مجموعة القناص للاستثمار" في الإمارات، التي أطلقت مؤخرًا صندوقاً بقيمة 800 مليون دولار للاستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية والرياح.
تُعَدُّ الشراكات بين الطرفين العاملة في مجال الطاقة المتجددة نموذجًا شائعًا، حيث يتم الجمع بين الخبرة التقنية للمستثمرين الدوليين وعلى رأسها تكنولوجيا الخلايا الشمسية المتقدمة، والقدرة التمويلية والسوقية للمستثمرين المحليين. وقد أدت هذه الشراكات إلى تسريع عمليات التنفيذ وتقليل المخاطر المرتبطة بالمشاريع.
التحديات التقنية واللوجستية
رغم النمو السريع، تواجه سوق الطاقة المتجددة في المنطقة عددًا من التحديات التقنية واللوجستية. أحد أبرز هذه التحديات هو نقص البنية التحتية لتخزين الطاقة، حيث لا تزال تقنيات البطاريات ذات السعة العالية وتكلفة معقولة في مرحلة التطوير. يُقَدَّرُ أن تكلفة تخزين 1 ميجاواط-ساعة في المنطقة قد ارتفعت إلى 120 دولارًا، وهو ما يُعَدُّ عائقًا أمام اعتماد أنظمة التخزين الواسعة النطاق.
كما أن نقص شبكة النقل الكهربائي المتقنة يُؤدي إلى فقدان جزء كبير من الطاقة المنتجة من مصادر متجددة، خصوصًا في المناطق النائية. تحتاج الدول إلى تطوير خطوط نقل عالية الجهد، وتطبيق أنظمة إدارة ذكية للشبكة (Smart Grid) لضمان توزيع الطاقة بفعالية.
علاوة على ذلك، تواجه بعض المشاريع صعوبات في الحصول على الأراضي المناسبة، حيث تتطلب محطات الطاقة الشمسية والرياح مساحات واسعة من الأراضي غير المستغلة، وتحتاج إلى إجراءات إطارات قانونية متكاملة لتأمين حقوق الاستخدام. كما أن وجود تعارض بين المشاريع المتجددة ومصالح الزراعة أو السياحة قد يؤدي إلى تأخير تنفيذ المشاريع.
الإطار التنظيمي والسياسات الحكومية
سعت معظم حكومات دول الشرق الأوسط إلى تحسين الإطار التنظيمي لتعزيز استثمارات الطاقة المتجددة. أطلقت السعودية في 2024 "خطة التحول الوطني" التي تشمل حوافز ضريبية لتقليل تكلفة تمويل المشاريع، وإعفاءات جمركية على المعدات التقنية مثل الألواح الشمسية والبطاريات. كما أن الإمارات أطلقت "قانون الطاقة المتجددة 2024" الذي يفرض على مزودي الخدمات الكهربائية تحقيق نسبة 30٪ من الطاقة المتولدة من مصادر متجددة بحلول عام 2030.
في المقابل، قام الأردن بتعديل نظام التعرفة الكهربائية (Tariff) لتشجيع المستهلكين على مشاركة الطاقة المتجددة عبر الأنظمة الذاتية (Net Metering)، مما يتيح للمستخدمين بيع الفائض من الطاقة الشمسية المنتجة إلى الشبكة الوطنية. وقد أدى ذلك إلى زيادة عدد الأنظمة السكنية الصغيرة التي تعتمد على الطاقة الشمسية بنسبة 45٪ خلال عام 2024.
من ناحية التنظيم الدولي، شاركت دول المنطقة في اتفاقية "تحالف المناخ للأطلسي المتوسط"، والتي تتضمن التزامًا بالحد من انبعاثات الكربون إلى 30٪ بحلول عام 2030 مقارنة بالعام 2010. ويرتبط هذا الالتزام ببرامج دعم مخصصة من المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وبنك التنمية العربية.
آفاق المستقبل وتوقعات 2025
تُظهر النماذج المتوقعة أن حجم الطاقة المتجددة المركبة في منطقة الشرق الأوسط سيصل إلى ما يقارب 70 جيجاواط بحلول عام 2025، مع توقع أن تشكل 40٪ من إجمالي القدرة التوليدية للمنطقة. يُعزى هذا النمو إلى استمرار تنفيذ المشاريع الضخمة في السعودية والإمارات، بالإضافة إلى توسع قطاع الطاقة المتجددة في دول شمال أفريقيا مثل المغرب وتونس.
من المتوقع أن تلعب تقنيات تخزين الطاقة دورًا محوريًا في تحقيق هذه الأهداف، حيث تسعى الشركات إلى تطوير بطاريات ذات كثافة طاقة أعلى وتكلفة أقل، مع توقعات لتقليل تكلفة التخزين إلى ما يقارب 70 دولارًا للميجاواط-ساعة بحلول 2025. سيساهم ذلك في تحسين استقرار الشبكات وتوسيع نطاق الاستفادة من الموارد المتجددة خلال فترات انخفاض الإشعاع الشمسي أو رياح هادئة.
علاوة على ذلك، من المحتمل أن يتم تعزيز دور الصناعات المحلية في تصنيع مكونات الطاقة المتجددة، ما يسهم في تقليل الاعتماد على الواردات، ويخلق فرص عمل جديدة تتجاوز 200 ألف وظيفة مباشرة في القطاع بحلول عام 2025. ستسهم هذه الخطوات في تعزيز الاكتفاء الذاتي للمنطقة وتعزيز القدرة التنافسية في السوق العالمية للطاقة النظيفة.
في الختام، يظل توجه الطاقة المتجددة في الشرق الأوسط مسارًا استراتيجيًا يسعى إلى تحقيق توازن بين التنمية الاقتصادية والبيئية، مع تعزيز الأمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. تستمر التحديات التقنية واللوجستية في التطلب من صانعي السياسات والقطاع الخاص مواصلة التعاون وتبني حلول مبتكرة لضمان استدامة النمو في السنوات القادمة.
إرسال تعليق